
The Cultural & Scientific Association
The Cultural & Scientific Association

07-05-2016
تتجلى ندوة الثقافة والعلوم بمنطقة الممزر في دبي بوصفها واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية الرائدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ تمثل انعكاسًا حيًا لجهود أبناء الوطن في ميادين الفكر والثقافة والعلم، وتجسيدًا واعيًا لإرادة معرفية جعلت من الثقافة أسلوب حياة، ومن العلم ركيزة بناء.
وتبدو الندوة، في حضورها المعماري والإنساني، أشبه بقلعة معرفية أو حصن ثقافي، وظيفته احتضان الإبداعات الإنسانية بكل تجلياتها؛ من علم، وثقافة، ومعرفة، وفنون. وفي هذا الصرح، يتمازج الطابع المعماري العربي الإسلامي بانسجام بالغ الخصوصية مع فن العمارة الصحراوية، مستجيبًا للظروف المناخية للمنطقة، ومتفاعلًا في الوقت ذاته مع متطلبات العصر، وآخر ما توصل إليه علم الهندسة المعمارية الحديثة، ليغدو المبنى مجسمًا معماريًا متكاملًا يكاد ينطق بالحياة.
ومنذ تأسيسها عام 1987، واصلت ندوة الثقافة والعلوم العمل بثبات لتحقيق الأهداف التي وضعتها لنفسها، منطلقة من عمق التراث الإماراتي، ومستلهِمة ما قدمه العالم من تجارب التطوير والتحديث في مختلف مجالات الحياة، سعيًا إلى بناء صرح معرفي يسهم في صناعة مستقبل مشرق لأبناء هذا الوطن.
وقد خطت الندوة، منذ انطلاقتها، خطوات واثقة في سبيل تحقيق رسالتها، من خلال نشاطاتها المتعددة والمتنوعة، مع تطلع دائم إلى تضافر جهود المؤسسات الثقافية والعلمية في الدولة، وتعزيز أطر التعاون الإيجابي فيما بينها، بما يفضي إلى نتائج ملموسة تسهم في بناء الإنسان والوطن، وإبراز الوجه الحضاري لدولة الإمارات، في ظل تطلعات المجتمع ورؤى القيادة الحكيمة.
وعلى مدى ما يقارب ثلاثة عقود، قدمت الندوة رصيدًا ثريًا من المحاضرات الفكرية، والأمسيات الشعرية، والندوات، والمؤتمرات، والدورات، والورش العلمية، لتغدو منصة فاعلة للحوار، وفضاءً رحبًا لتبادل المعرفة وصقل الوعي.
ويتميز مبنى ندوة الثقافة والعلوم بفخامة مدروسة، حيث جاء تصميمه استجابة دقيقة لضرورات العمل الثقافي والإبداعي. فقد جُهّز المسرح بأحدث الإمكانات التقنية، بما يتيح احتضان الأعمال المسرحية والأوبرالية، فيما تتسع قاعته لنحو ألف مشاهد. أما المكتبة، التي تضم ما يقارب خمسين ألف كتاب، فقد اعتمدت نظام التصنيف المعمول به في مكتبة الكونغرس الأمريكية، بما يعكس وعيًا مؤسسيًا بأهمية التنظيم المعرفي وفق أرقى المعايير العالمية.
وفي موازاة ذلك، تعمل الندوة، عبر أنشطتها المختلفة، على الانفتاح الواعي على الآخر، دون أن يقود هذا الانفتاح إلى التلاشي أو الذوبان أو فقدان الهوية الثقافية، تأكيدًا على أن الثقافات ترتبط فيما بينها بعلاقات متداخلة، جغرافية وغير جغرافية، وأن الحوار بينها يمثل شرطًا أساسيًا للتفاعل الحضاري. ومن هذا المنطلق، يبرز الاهتمام بالخط العربي بوصفه نموذجًا دالًا على جدلية تحاور الذات مع الآخر.
وتتحدد أهداف ندوة الثقافة والعلوم في ستة محاور رئيسية، تشمل تشجيع المواهب والكفاءات في المجالات الثقافية والأدبية والعلمية، ودعم وتنشيط الحركة الثقافية، والمساهمة في تنميتها والارتقاء بمستواها، إلى جانب ترسيخ المفاهيم الثقافية الإيجابية، وتوطيد العلاقات، وتوثيق أواصر التعاون بين الندوة والجمعيات والهيئات المماثلة. كما تهدف إلى شغل أوقات الأعضاء بما يعود بالنفع على المجتمع، والعمل على تحقيق تواؤم اجتماعي بعيدًا عن النزاعات الطائفية والعرقية والدينية، والصراعات السياسية.
وفيما يخص نظام العضوية، تعتمد الندوة نموذجًا يعكس تنوع مجتمعها الثقافي، حيث تشكل الجمعية العمومية الإطار الذي تُرسم من خلاله الخطط والتوجهات، وتنقسم العضوية إلى ثلاث فئات: عضوية عاملة، وعضوية منتسبة، وعضوية فخرية.
وتضم ندوة الثقافة والعلوم عددًا من اللجان المتخصصة، من بينها لجنة المسابقات والجوائز، التي تشرف على تنظيم الجوائز والمسابقات بوصفها أحد البرامج الأساسية للندوة، سواء أكانت للتكريم أو التقدير. كما تشمل اللجان: اللجنة الثقافية والإعلامية، ولجنة المكتبة والطبع والنشر، إلى جانب هيئة تحرير مجلة «حروف عربية»، المعنية بالخط العربي، والتي تعد المجلة الوحيدة من نوعها على مستوى العالم في هذا المجال.
وتشرف الندوة على مجموعة من الجوائز، من أبرزها: جائزة راشد للتفوق العلمي، وجائزة العويس للإبداع، التي تضم المسابقة العامة، ومسابقة أفضل بحث عن دولة الإمارات، ومسابقة أفضل عمل فني، ومسابقة أفضل ابتكار علمي، إضافة إلى مسابقات شبابية مخصصة لأبناء الإمارات ممن تقل أعمارهم عن ثلاثين عامًا.
كما تضم الندوة نادي الإمارات العلمي، الذي أُشهر عام 1990، ليتولى الجانب العلمي من نشاط الندوة، ويعمل على نشر الثقافة العلمية وتبسيط العلوم من خلال أقسام متعددة تشمل: الحاسب الآلي، والإلكترونيات، والفلك، والأرصاد الجوية، والنجارة، والزخرفة، والتصوير الضوئي والرقمي، والكهرباء والطاقة، والتبريد، والزراعة، والبيئة. وينظم النادي الدورات الفنية للطلاب وأولياء الأمور، ويشارك في الملتقيات والمعارض العلمية الخارجية، من خلال عضويته في الاتحاد العربي لنوادي العلوم، والمنظمة العالمية، والاتحاد الدولي للمخترعين، و«المنظمة العالمية للشطار الصغار»، في إطار توظيف أوقات الفراغ بالعلوم والتكنولوجيا.
ويقوم التصميم المعماري لندوة الثقافة والعلوم على ثلاثة أقسام أساسية؛ يتمثل أولها في ثلاثة براجيل عملاقة، أو ما يعرف بـ«صائدات النسيم العليل من فم الريح»، وهي مكيفات الهواء التقليدية التي كانت، حتى خمسينيات القرن الماضي، تخفف عن الناس وطأة حرارة الشمس في الصحراء. أما القسم الثاني، الذي يتوسط المبنى، فيأخذ شكل قلعة حقيقية، استُلهم تصميمها من القلاع التراثية، التي قامت فلسفتها على توفير عناصر الراحة والحماية معًا. في حين يحاكي القسم الثالث مستويات التطور الكبيرة التي بلغتها الدولة في الجوانب الاقتصادية والثقافية، ليضاهي من حيث الشكل والمضمون مثيلاته في أكثر المجتمعات تقدمًا حول العالم.
ويتكون هذا الصرح المعماري من ثلاثة عناصر رئيسية: الحجر، والخشب، والزجاج، حيث لا تكاد تخلو أي جزئية من المبنى، داخليًا أو خارجيًا، من حضور هذه العناصر، منفردة أو متداخلة، بألوانها المستمدة من الطبيعة. فاللون البني المحروق يطغى على القطع والأعمدة والواجهات الخشبية، فيما يزين اللون الأبيض المائل إلى البيج الأرضيات والأعمدة والواجهات الرخامية والحجرية، التي ازدانت بتحف من الفن الحروفي العربي، والآيات القرآنية، والأقوال المأثورة.
أما الزجاج، بمختلف أنواعه وأشكاله، فيؤدي دورًا محوريًا في المبنى، جامعًا بين الوظيفة الجمالية والعملية، ومؤديًا دورًا أساسيًا في إدخال الضوء الطبيعي إلى أرجاء الندوة، سواء عبر النوافذ العملاقة الممتدة على مساحات واسعة من الجدران، أو من خلال الزجاج المعشق بألوانه الزاهية في الأسقف والقباب، التي تحيل المتلقي إلى أبهى ما أبدعته العمارة العربية الإسلامية في أماكن متعددة من العالم.
وتشكل المياه عنصرًا جماليًا أصيلًا في مقر الندوة، حيث تتوسط الردهة الرئيسية، التي تعلوها القبة الكبرى وتفضي إلى المسرح والمكتبة وصالات العرض ومكاتب الإدارة، نافورة ماء متعددة الصنابير، رُصفت أرضيتها بفسيفساء فيروزية وبيضاء، يوحي خريرها بقدم المكان، وكأنها جزء لا يتجزأ من ذاكرته الجمالية.
وتغدو ندوة الثقافة والعلوم، في مجملها، معرضًا حيًا للخط العربي، الذي يزين واجهات المبنى وجدرانه، وسلالمه وأروقته الداخلية، ليبقى الحرف العربي شاهدًا على تلاقي الجمال بالمعرفة، والعمارة بالهوية، في صرح ثقافي ينطق بالحياة.