مواكبة التغيّرات والتطوير المستمر في فروعها ومضامينها سمةٌ راسخة

مواكبة التغيّرات والتطوير المستمر في فروعها ومضامينها سمةٌ راسخة
العويس للإبداع»… ثلاثة وعشرون عاماً والفكر يعانق الابتكار والتجديد

07-05-2016

لا تطفئ جائزة العويس للإبداع شمعتها في كل عام، إلا وقد أعدّت معها قبساً معرفياً جديداً، متمايز الرؤية، حيوي التأثير، ومكتمل الملامح، ليضيء بمسارات تحفيزه دروب الإبداع المعاصر، في قوالب معرفية متجددة ومفردات فكرية تواكب العصر دون أن تنفصل عن الجذور. ذلك هو الدستور الذي قامت عليه هذه الجائزة منذ انطلاقتها: عراقةٌ متأصلة وحداثةٌ متجددة لا تناقض بينهما ولا انفصال.
وفي كل محطة من محطاتها، ومع كل دورة من دوراتها، ترسم الجائزة منحى تطويرياً مؤثراً يرسّخ حضورها كإحدى أبرز الجوائز الثقافية، لا يزيدها تعاقب الأعوام إلا نضجاً وقدرة على العطاء الخلّاق، ضمن مشروع متكامل يسعى إلى نشر الفكر والثقافة وترسيخهما نهجاً مجتمعياً، يبدد العزلة الفكرية، ويعمّق ركائز الإبداع الحر الملتزم، ويؤكد دور الثقافة كرافعة للوعي والتقدم.
وقد جاءت جائزة العويس للإبداع وفية للرؤية التي رسمها لها مؤسسها الشاعر الراحل سلطان بن علي العويس، حيث جسّدت على الدوام ما أراده لها من رسالة سامية، ترجمتها ندوة الثقافة والعلوم واقعاً ملموساً عبر تنظيمها والإشراف عليها، بالتنسيق والتعاون مع راعيتها مؤسسة العويس الثقافية.
وفي هذا السياق، قال علي بن حميد بن علي العويس، رئيس مجلس العويس الثقافي، إن من الواجب الإشادة بالدور الذي تضطلع به ندوة الثقافة والعلوم في احتضان فعالية حفل تكريم الفائزين بجائزة العويس للإبداع في دورتها الثالثة والعشرين لعام 2016، كما دأبت على ذلك منذ تأسيس الجائزة. وأكد أن هذا الجهد يأتي متوازياً مع حرص الندوة المستمر على تفعيل مختلف المبادرات الرامية إلى نشر الثقافة وتعزيز الإبداع على امتداد المجتمع، دعماً للفعل المعرفي في أبعاده المتعددة.
وأضاف أن الجائزة، في مضمونها الاحتفالي، تعكس جوهر الفكرة التي سعى إليها مؤسسها الراحل سلطان بن علي العويس، رجل الخير والثقافة، بأن تكون منبراً لتعزيز الإبداع وتقديره، وترسيخ قيمه ومعالمه المختلفة. وأشار إلى أن الاستمرار على هذا النهج يمثل التزاماً راسخاً ببناء الفكر الإماراتي، وتعزيز الثقافة الوطنية، وتشجيع العطاء الإبداعي في المجالات الأدبية والبحثية والفنية كافة، إيماناً بعطاء هذا الوطن وقيادته الحكيمة التي تعمل على ترسيخ روح المبادرة والابتكار في كل ما من شأنه خدمة الوطن وأبنائه.
وأكد رئيس مجلس العويس الثقافي أن سلطان بن علي العويس كان خلال حياته منارة تهدي كل من وجد في نفسه القدرة على دعم الفكر بالثقافة والمعرفة والفن والأدب، وستبقى ذكراه حاضرة تنير دروب المعرفة والعطاء والجمال. واستحضر في هذا المقام أبياتاً شعرية للراحل تعبّر عن عمق ارتباطه بالأرض والوطن، وإحساسه بالمسؤولية تجاه ما منحه له:
ماذا أقولُ لأرضٍ كنتُ فلذتها
كانت بلا بسمةٍ واليوم تبتسمُ
كانت لنا الأم رغم الجوع تُرضعُنا
واليوم سال على أفواهِنا الدسمُ
حيوية ومتجددة
من جهته، أكد سلطان صقر السويدي، رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي، أن الندوة تفخر بجوائزها لما أحدثته من أثر ملموس في المشهد الفكري والثقافي والاجتماعي، وفي مقدمتها جائزة راشد للتفوق العلمي وجائزة العويس للإبداع، اللتين أصبحتا علامتين بارزتين في مسيرة الندوة ومؤسسة العويس الثقافية. وأوضح أن ما يميز هذه الجوائز هو حيويتها المتجددة في المضمون والرؤية، وقدرتها على رفد المستوى المعرفي ودعم مشروعات الارتقاء الثقافي، بالتوازي مع تحفيز الإبداع بمختلف أشكاله.
وأشار السويدي إلى أن العصر الراهن يشهد تحولات ثقافية متسارعة، سواء على مستوى المحتوى أو آليات إنتاجه وتلقيه، وأن شرائح واسعة من المجتمع باتت منخرطة في هذه التحولات، مستثمرة طاقاتها في مجالات الإبداع المرتبطة بالتقنية الحديثة ووسائل الاتصال الجديدة. وأكد أن جائزة العويس للإبداع واكبت هذه التحولات من خلال استحداث فروع جديدة، واستيعاب الأشكال الثقافية المعاصرة، حتى أصبحت موئلاً للباحثين المتميزين، وحاضنة للشباب الإماراتي المبدع.
وأضاف أن من أبرز ما يميز الجائزة اهتمامها بتشجيع البحث الثقافي والعلمي الاجتماعي، وتنشيط الابتكار الخلاق في مسارات تحلل الواقع الثقافي، وتستشرف آفاقه المستقبلية، وتناقش التحديات التي تواجه المجتمع في مجالات الثقافة والعلوم والحياة العامة.
الأصل والصورة
ووصف علي عبيد الهاملي، نائب رئيس مجلس إدارة الندوة، طبيعة العلاقة التي جمعت الشاعر الراحل سلطان بن علي العويس بندوة الثقافة والعلوم بأنها علاقة عشق ووفاء عميقي الجذور، أثمرت نتاجاً فكرياً ثرياً أسهم في تعزيز حضور الإبداع في المجتمع الإماراتي. وأوضح أن صورة سلطان بن علي العويس التي تتصدر بهو الندوة تقابلها مكانة راسخة لاسمه في قلوب محبي الأدب والثقافة، ليس فقط لإبداعه الشعري، بل لمساهماته العملية التي أسست لعلاقة متينة بين الثقافة ورجال المال، وجسدت انسجاماً نادراً بين الفكر والعمل.
وأشار إلى أن هذا الارتباط بدأ منذ أن كانت الندوة فكرة، واستمر مع تحولها إلى مؤسسة ثقافية رائدة، وتواصل حتى بعد رحيل سلطان العويس، الذي ترك للندوة ما يضمن استمرار دورها التنويري، تقديراً لمكانتها في قلبه، ومبادلةً منها لوفائه بوفاء مماثل.
ارتقاء متواصل
بدوره، استعرض علي الشعالي، عضو مجلس إدارة الندوة ورئيس لجنة المسابقات والجوائز، أهمية الجائزة ومسارات تطورها، مؤكداً أن اسم مؤسسها يمثل جوهر قيمها، بوصفه مثقفاً ورجل أعمال سخّر وقته وجهده وماله لخدمة الثقافة، وأسّس عدداً من المبادرات والمؤسسات الثقافية، في مقدمتها مؤسسة العويس الثقافية. وأشار إلى أن الجائزة قطعت أشواطاً تطويرية نوعية، مع التطلع إلى إضافة فروع جديدة في الدورات المقبلة، من بينها فرع «أفضل تصميم غلاف كتاب».
أبحاث وقضايا… وريادة شبابية
وتواصل التقرير في استعراض شهادات الفائزين، ومجالات الأبحاث والدراسات، وتكريم المبدعين الشباب، والابتكارات العلمية، والمسابقات الفنية، وقوائم الفائزين لعام 2016، إضافة إلى الإصدارات الفائزة، وبرنامج أجندة فعاليات ندوة الثقافة والعلوم، بوصفها امتداداً طبيعياً لدور الجائزة في دعم المعرفة، وتعزيز القراءة، وترسيخ الثقافة كخيار حضاري مستدام.

الأقدم والأعرق
استهل الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي، مدير مركز زايد للدراسات في نادي تراث الإمارات، حديثه عن فوزه بالجائزة الثقافية الخاصة في «العويس للإبداع» لعام 2016، بالإشادة بمؤسس الجائزة الراحل سلطان بن علي العويس، واصفاً إياه برجل الفكر والخير الذي سخّر حياته لخدمة الثقافة والمعرفة. وأكد أن نيل هذه الجائزة يمثل حافزاً معنوياً كبيراً لكل باحث معني بالتراث والتاريخ، ويعزز روح الالتزام بالبحث العلمي الجاد بوصفه خدمة مجتمعية سامية.
وأضاف المزروعي أن هذا التكريم يعزز لدى الباحثين الشعور بالمسؤولية تجاه مواصلة الجهد البحثي، والانكباب على دراسة التراث الوطني وتوثيقه، مقترحاً أن تتضمن الجائزة مستقبلاً فرعاً يعنى بالتراث الشعبي، لما يحمله من قيمة ثقافية وهوية تاريخية تستحق مزيداً من الاهتمام الأكاديمي.
طموح المثقفين العرب
أما الباحث العقيد الدكتور جاسم خليل ميرزا مدير إدارة التوعية الأمنية في شرطة دبي، الفائز بجائزة الدراسات الإنسانية – المحور الاجتماعي التشريعي، فقد رأى في جائزة العويس للإبداع أحد أبرز روافد الثقافة في دولة الإمارات، لما أسهمت به في خلق مناخ ثقافي قائم على الإبداع والانفتاح والنهج العصري. وأكد أن الجائزة أضافت بعداً تنموياً مجتمعياً واضحاً، تعزز مع استمرارها وتطورها المتتابع، بفضل رؤيتها الاستراتيجية وإمكاناتها التنظيمية والفكرية.
من جانبه، عبّر الدكتور غسان حسن أحمد الحسن، المستشار الثقافي في أكاديمية الشعر، والفائز بشخصية العام الثقافية الخاصة، عن اعتزازه بهذا التكريم، معتبراً الجائزة من أرفع الجوائز الثقافية ليس على المستوى المحلي فحسب، بل على مستوى الوطن العربي. وأشاد بالدور الريادي الذي تقوم به ندوة الثقافة والعلوم ومؤسسة العويس الثقافية في دعم الباحثين والمثقفين، واحتضان المشاريع الفكرية الجادة.
حيوية الثقافة
بدوره، اعتبر كامل يوسف حسين، رئيس قسم الترجمة في صحيفة «البيان»، أن نيله لقب «شخصية العام الثقافية الخاصة» في الدورة الثالثة والعشرين تتويج لمسيرة ثقافية امتدت لعقود، قدّم خلالها للمكتبة العربية أكثر من ثمانين كتاباً مترجماً ومؤلفاً ومرجعاً. وأكد أن جائزة العويس للإبداع تمثل أحد المحركات الأساسية للحراك الثقافي في دولة الإمارات، لما توليه من اهتمام بإيقاد جذوة العمل الفكري، وتشجيع الإنتاج الثقافي الأصيل والمبتكر، مع العناية بإبراز الهوية الوطنية وتعزيز الثقافة العربية.
وفي السياق ذاته، رأى أحمد أبو زيد، الفائز بجائزة الدراسات الإنسانية – المحور الثقافي، أن الجائزة تشكل منارة حضارية، وأن الفوز بها يمثل وساماً ثقافياً رفيعاً يعكس تقديراً حقيقياً للجهد البحثي.
أبحاث وقضايا تنموية
عكست اختيارات جائزة العويس للإبداع في دورتها الثالثة والعشرين توجهاتها التنموية والثقافية الراسخة، حيث احتفت بدراسات علمية موسعة جعلت المجتمع وقضاياه محوراً أساسياً للاشتغال البحثي. ففي مجال الدراسات الإنسانية – المحور الاجتماعي، تناول بحث الدكتور جاسم خليل ميرزا ناصر الشمسي موضوع «اتجاهات الشباب الجامعي في الإمارات نحو المخدرات الرقمية»، وخلص إلى عدم وجود هذه الظاهرة في المجتمع الإماراتي، في قراءة علمية تحليلية دقيقة.
وفي المحور التشريعي، نال بحث بعنوان «نحو إطار مقترح لمكافحة جرائم السوق المالي.. دراسة تحليلية لموقف المشرع الإماراتي» جائزة «أفضل بحث عن الإمارات»، حيث تناول الباحث فيصل الطاهر شياد طبيعة الجرائم المرتبطة بأسواق الأوراق المالية، وأبعادها القانونية والاقتصادية، مع تحليل موقف التشريع الإماراتي منها.
أما في المحور الاقتصادي، فقد قيّمت الباحثة فطيمة الزهرة بنت فاروق واقع القطاع الصناعي في دولة الإمارات خلال الفترة من 1990 إلى 2012، محللةً إنجازاته وتحدياته ضمن إطار تنموي شامل.
وفي المحور الثقافي، ناقش الباحث أحمد أبو زيد في دراسته «الدبلوماسية الثقافية والنفوذ الإقليمي الإماراتي» مفهوم القوة الناعمة، والدور الذي تلعبه الدبلوماسية الثقافية في تعزيز الحضور الإقليمي والدولي لدولة الإمارات.
ريادة… وعرس شباب الوطن المبدع
برزت الجائزة في دورتها الثالثة والعشرين بوصفها عرساً لتكريم المبدعين الشباب، حيث أولت اهتماماً خاصاً بالابتكار العلمي، واحتفت بمشروعات علمية واعدة لشباب إماراتيين حققوا إنجازات لافتة. فقد نالت فاطمة علي محمد الكعبي المركز الأول في مجال الابتكار العلمي عن اختراعها «حقيبة الرحلات»، فيما حل طارق عبدالله غريب جمعة في المركز الثاني عن اختراعه «جهاز أمن المطار».
وفي مسابقات الشباب الفنية، فازت ميرة عبد الرحيم سالم بالمركز الأول في «أفضل عمل فني»، بينما حصدت عائشة محمد الحساني المركز الأول في فن الخط العربي – الخط الديواني. كما توزعت جوائز التصوير و«البوستر» على عدد من المبدعين الشباب، تأكيداً على تنوع مجالات الإبداع التي تحتفي بها الجائزة.
الفائزون – دورة 2016
وضمت قوائم الفائزين بجائزة العويس للإبداع في دورتها الثالثة والعشرين نخبة من الباحثين والمبدعين، إلى جانب أسماء شابة تمثل الجيل الجديد في الحقول الثقافية والعلمية، وشملت الجوائز فئات متعددة، من شخصية العام الثقافية، والجائزة الثقافية الخاصة، والمسابقات العامة، والابتكار العلمي، والإبداع الأدبي والفني، وصولاً إلى أفضل الكتب والإصدارات.
إصدارات ومعرفة
تميّزت الإصدارات الفائزة هذا العام بعمقها البحثي وتنوع موضوعاتها، ومن بينها كتاب «الرياح والأهوية» للباحث فهد علي المعمري، الذي تناول التراث الشعبي الإماراتي من زاوية جديدة، وكتاب «دبي واللؤلؤ» لجمعة خليفة أحمد بن ثالث، الذي وثّق علاقة الإنسان الإماراتي بالبحر والغوص، بوصفها جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية.
أجندة ثقافية متواصلة
واختتم التقرير بالإشارة إلى برنامج فعاليات ندوة الثقافة والعلوم، التي تستهل شهر يونيو بمؤتمرها السنوي «الإمارات تقرأ»، متضمناً محاور تعزز ثقافة القراءة، ودور المؤسسات الثقافية والإعلام في ترسيخها، إلى جانب المجالس الثقافية والعلمية الرمضانية، في تأكيد متواصل على أن جائزة العويس للإبداع ليست حدثاً سنوياً فحسب، بل جزء من مشروع ثقافي متكامل، يؤمن بأن المعرفة أساس التنمية، وأن الإبداع ركيزة المستقبل.

مواكبة التغيّرات والتطوير المستمر في فروعها ومضامينها سمةٌ راسخة
Scroll to top